عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
67
اللباب في علوم الكتاب
بإيمانهم - ثم كفروا - حزن صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك ؛ لفوات التكثير بهم ، فآمنه اللّه من ذلك ، وعرّفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير . وقيل : المراد رؤساء اليهود - كعب بن الأشرف وأصحابه - كتموا صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لمتاع الدنيا « 1 » . قال القفّال ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار ؛ لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا [ المائدة : 41 ] . فإن قيل : الحزن على كفر الكافر ، ومعصية العاصي طاعة ، فكيف نهاه اللّه عن الطاعة ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أنه كان يفرط في الحزن على كفر قومه ، حتّى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به ، فنهاه اللّه تعالى عن الإسراف فيه ، كما قال : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] . الثاني : أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ، ويعينوا عليك ؛ ألا ترى إلى قوله : إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يعني : أنهم لا يضرون - بمسارعتهم في الكفر - غير أنفسهم ، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم البتة . ثم قال : يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وهذا تنصيص وردّ على المعتزلة بأنّ الخير والشر بإرادة اللّه تعالى ، وتدل الآية - أيضا - على أنّ النكرة في سياق النّفي تعم ؛ إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ، ثم قال : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وهذا كلام مبتدأ والمعنى : أنه كما لا حظّ لهم البتة من منافع الآخرة ، فلهم الحظّ العظيم من [ مضارّها ] « 2 » . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 177 ] إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 177 ) اعلم أنه لا يبعد حمل الآية الأولى على المرتدين ، وحمل هذه الآية على اليهود . ومعنى : اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ أنهم كانوا يعرفون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويؤمنون به قبل مبعثه ، فلما بعث كفروا به ، وتركوا ما كانوا عليه ، فكأنهم أعطوا الإيمان ، وأخذوا الكفر بدلا عنه ، كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه . ولا يبعد أيضا - حمل هذه الآية على المنافقين ؛ لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان ، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا ، وتركوا الإيمان ، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان .
--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) في أ : مضار الآخرة .